شهادة: طريق الأنبياء
بهيجة كومي
حصلتُ على شهادة البكالوريا سنة 1989، ومنذ تلك اللحظة كنتُ مدركة ومقتنعة تماما أنّ مستقبلي لن يُصاغ بصدفة عابرة ولا بحظ طارئ، بل سيكون ثمرة اختيار واع، وعمل مُمتدّ، وبناء متين، ورسالة واضحة المعالم تطرق أبواب القلب قبل العقل.
شعرتُ بأنّ مهنة نبيلة تنتظرني؛ مهنةٌ يتجلّى فيها الإنسان قبل المنهاج، وينطق فيها القلب حين يعجز اللسان.
وفي الوقت الذي كان فيه أقراني يتوزّعون بين المدارس العليا والجامعات المرموقة، ينجذبون إلى المسارات الأكثر إغراءً ووعوداً بمهن المستقبل، اخترتُ أنا طريقاً يبدو بسيطاً في الظاهر، لكنه في عمقه هو طريق الأنبياء: مهنة التعليم.
قضيتُ أكثر من واحد وثلاثين عاماً من عمري أعلّم وأربّي وأهدي النصح، أواكب الخطوات الأولى وأحتوي العثرات، أنبه عند الضرورة وأحذّر حين يستدعي الأمر. لكن الأهم من كل ذلك، أنّني مارستُ هذه الرسالة بفيض من الحب، وبقلب يُصغي، وبروح تستشعر المسؤولية. كنتُ أومن دائماً بأنّ المعلّم، مهما بدا دوره بسيطاً، يخلّف أثراً لا يُمحى في مسارات من يعبرون فصوله.
وأعتز اليوم بكل لحظة قضيتها داخل قاعات الدرس، وبكل تجربة إنسانية جمعتني بطلابي، كنتُ أستمتع بوهج المعرفة حين أتقاسمه معهم، وأحرص على فهم ظروفهم الاجتماعية والنفسية والتربوية قبل أن أشرع في تلقينهم ما كُتب في الكتب وما تمليه المقررات التعليمية. فقد آمنتُ أنّ التعليم لا يبدأ من الدرس، بل من الإنسان.
وفجأة تبدّلت الأجيال وتسارعت التحولات، وانتقلت أساليب التواصل نحو الرقمنة، وظهرت أدوات جديدة فرضت على منظومة التعليم التكيف المستمر؛ تغيّرت لغة التواصل، وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة، إلى شاشة مضيئة وأدوات رقمية. وأدركتُ أنّ علينا نحن أبناء جيل ما قبل الإنترنت، الذي نشأ على الكتب، على النقاش، على حوارات الأساتذة ودفء الكلمة، أن نمدّ جسوراً جديدة نحو هؤلاء المتعلمين، الذين تحيط بهم العوالم الافتراضية. لم يعد المشهد كما كان، فصار لزاماً أن نقرأ أبناء هذا الزمن بلغتهم، ونسعى إلى فهم حاجاتهم الحقيقية.
عرف التعليم تحوّلات واسعة بين بساطة الأمس وحداثة اليوم. كان تعليم الأمس قائمًا على التواصل المباشر، واحترام المعلم، وثبات القيم والأساليب. أما اليوم، فقد فرضت التكنولوجيا حضورها، وظهر متعلم جديد سريع الإيقاع، يعتمد على التفاعل الرقمي والتعلم الذاتي.
ومع اتساع الفجوة بين الجيلين، تبقى ثوابت لا تتغيّر: دور المعلم المحوري، وأهمية القيم، وضرورة بيئة تعليمية آمنة. ويبقى المستقبل رهينًا بقدرتنا على مزج أصالة الماضي بمرونة الحاضر.
ومع ذلك كلّه، لا يهدأ في داخلي الغضب حين أرى من يسيئون إلى مهنة التعليم، ويحمّلون المعلّم وحده، وزر كل اختلال تربوي، أو إهمال أو تقصير، متجاهلين حقيقة الإصلاحات المتراكمة، والاستهانة بعلوم التربية، ونقص التكوين والتحفيز والابتكار والإمكانيات… عوامل جعلت من التعليم، الذي كان يوماً مزدهراً، مسرحاً للتراجع والتشوّه، وولّدت شعوراً عاماً بالارتباك وعدم الطمأنينة والارتياح.
ورغم كل التحديات التي تعيشها منظومة التربية والتعليم، ما زلتُ أرفع رأسي بثقة: فالتعليم هو أسمى المهن، وأصدقها أثراً، وأعمقها جذورا، كبِرتُ بين دفاتر التحضير وطباشير السبّورة، ونضجتُ بين أعين تلامذتي، وتغيّرتُ كما تغيّر الزمن، وتعلّمتُ كيف أتخلّى عن بيداغوجيات ومقاربات لم تعد تنفع، وأحتضن أخرى أرحب وأكثر إنسانية.
نعم، اخترتُ أن أكون أستاذة، أزرع بذور الوعي في عقول الغد بكل محبة وإخلاص. فنجاح طلابي يمثل امتداداً لمساري المهني، ويا لها من نعمة أن أرى ثمار ذلك تمتدّ بعيداً: مديرة شركة، إطار بنكي، مقاول ذاتي، أستاذ، موظفة، مهندسة أو تقني… في المغرب أو في أصقاع أخرى. كلّما التقيتُ واحداً منهم، شعرتُ بأنّ جزءاً منّي يسافر في نجاحه، يسكن قلب تجربته، ويصعد معه درجات التحقّق والنجاح.
وفي المقابل، كانت حالات التعثر أو الفشل دافعاً بالنسبة لي لإعادة التقييم وتحسين الأداء. لأن التعليم ليس مساراً باتجاه واحد؛ إنه سفرٌ متبادل.
واليوم، حين أسترجع سنواتي داخل الفصل، أتذكّر الوجوه، الشخصيات ومختلف الطبائع… الذكيّ، الخجول، العنيد، المختلف، الاستثنائي، الفضولي، المشاغب، الملحاح، المهمل… لكنّ الأقرب إلى روحي كانوا دائماً أولئك الشغوفين بالتعلم؛ الذين يتعلّمون بفرح واستمتاع، ويرون في المعرفة نوراً لا عبئاً أو واجبا فقط.
وحين تصلني زهرة، أو باقة ورد، أو بيت شعر، أو رسالة عابرة تحمل شكرًا صادقًا، وتشهد بأنني كنتُ سببًا في توجيه حياة أحدهم نحو الأفضل، أعلم حينها أن رسالتي التربوية بلغت مقصدها، وأنني أدّيت دوري بأمانة واعتزاز. وأؤمن تمامًا أنني قبل أن أكون أستاذة، أنا إنسانة تصنعها المحبة، وتُعلّم بالمحبة، وتحمل رسالتها بصدق، ويقودها في مسيرتها شغف المهنة الذي لا ينطفئ أبداً.
أستاذة، أكثر من 31 سنة في مجال التدريس والتربية، إطارة مدنية وشاعرة
بهيجة كومي من مواليد مدينة تازة،
أستاذة .. كاتبة وشاعرة وأستاذة مكونة منذ 1994، ورئيسة الجمعية الوطنية أمل لمرضى ﺳﺭﻁﺎﻥ ﺍﻟﺩﻡ (ﺍﻟﻠﻭﻛﻳﻣﻳﺎ)، خريجة المدرسة العليا لأساتذة التعليم التقني بالمحمدية، أستاذة بالسلك التأهيلي الثانوي منذ 1994 وأستاذة بأقسام شهادة التقني العالي منذ 2007 بمدينة مراكش. مستشارة ومدربة في مجال الاتصال وتقنيات التعبير والعلاقات المهنية والتنمية البشرية لمدة 19 سنة. هي فاعلة جمعوية وعضو في العديد من المنظمات غير الحكومية المغربية والأجنبية، كما تتقلد منصب ممثل إفريقيا وعضو اللجنة التوجيهية لشبكة CML Advocates وأحد مؤسسي CML Life Africa في أكتوبر 2012 في دار السلام بالعاصمة التنزانية. وقد تم تكريمها في عدة مناسبات اعترافا لها بالدور الذي تلعبه كمدرسة وعن عملها كناشطة في المجتمع المدني. من إصداراتها كتاب "آلام من أجل الحياة" باللغة الفرنسية، ثم ديوان شعر باللغة العربية حمل اسم "سرطان الحبر" عام 2012، ثم "أخاف أن أشفى" باللغة الفرنسية عام 2014، وديوان شعر "جنون الكروموسوم" باللغة العربية عام 2020.. كما كتبت مقالات عدة لمساندة مرضى السرطان ودعم الأسر والعمل على تلبية احتياجات المرضى من أجل رعاية شاملة وعادلة للجميع. وأنشأت كومي سنة 2022 داراً لإيواء مرضى السرطان وأهلهم القاطنين بعيداً عن مراكز الاستشفاء، وحصلت جمعيتها على المرتبة الأولى عن مشروعها ضمن فعاليات الدورة العشرين للمؤتمر العالمي "آفاق اللوكيميا" 2022 Horizons CML، والذي أقيم للمرة الأولى في المغرب، وتحديداً في مدينة مراكش، وتنظمه "منظمة مرضى اللوكيميا" المتواجدة بسويسرا والتي تضم 128 منظمة خاصة برعاية مرضى سرطان الدم، والموجودة في 93 دولة..