المناعة والإجماع الوطني
دة. خديجة توفيق
يحتكم نظام التعليم بالمغرب، إلى نمطين تعليميين يكملان بعضهما البعض، وهما؛ التعليم العمومي، التعليم الخصوصي. وهو ما أكدته الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015/2030 التي اعتبرت أن التعليم الخاص مكون من مكونات المدرسة العمومية؛ شريك للتعليم العمومي في تعميم العرض التربوي، وتنويعه، وتجويده، وتشجيع التفوق، مع مراعاة مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
وتجدر الإشارة إلى أن الاختيار بين التعليم العمومي ونظيره الخصوصي في بلادنا ليس قرارًا بسيطًا، بل يخضع لاختيارات وخصوصيات اجتماعية، واقتصادية، وتربوية عميقة. فبينما يوفر التعليم العمومي فرصة مجانية وشاملة للجميع، إلا أنه يواجه تحديات حقيقية تتعلق بالجودة والبنية التحتية. في المقابل، يقدم التعليم الخصوصي بيئة تعليمية أكثر تطوراً وتجهيزًا، ولكنه يبقى حكرًا على الفئات الميسورة والقادرة ماليًا، مما يثير تساؤلات حول تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. ويتعين على الأسر المغربية، عند اتخاذ قرارها، الموازنة بين هذه الجوانب، مع الأخذ بعين الاعتبار قدراتها المالية، ورغبتها في الاستثمار في الأبناء، مع استحضار التحديات المادية والمعنوية التي يفرضها اختيار مؤسسة دون أخرى، خاصة أننا بدأنا نشهد تراتبية في مؤسسات التعليم الخصوصي والعمومي معا، وتكفي الإشارة إلى مدارس الريادة حاليا باعتبارها تجربة لم تعمم بعد.
ومن جهة أخرى، فإن طرح السؤال: أيهما أصلح لتربية الأبناء وتعليمهم؟ مما يُحْدِثُ شرخا في جسد الأسر المغربية، بين الأسر الميسورة والأسر ذات الدخل المحدود أو الفقيرة، فإذا كانت الأسر الميسورة لا تجد صعوبة في اختيار نمط التعليم الخصوصي، فإن الطبقات الدنيا تجد نفسها مجبرة على اختيار نمط التعليم التعليم العمومي، رغم ما يعانيه القطاع من صعوبات، وما تترتب عنه من مشاكل وتحديات.
ولعل من أبرز تجليات ضعف المدرسة العمومية:
الاكتظاظ الذي ينخر جسد المؤسسات العمومية، وأثره السلبي في تحصيل التعلمات.
التأثير السلبي للنقص الحاصل والكبير في عدد الأطر الإدارية والتربوية في المؤسسات العمومية في تدبير السلامة بالمؤسسات التعليمية العمومية، سواء منها توفير السلامة للأشخاص وخاصة المتعلمين، وكذا سلامة الممتلكات والفضاءات، إذ يتسبب غياب الأمن في العديد من هذه المؤسسات التعليمية العمومية، في تعرضها للاقتحام من طرف الغرباء، وتخريب ممتلكاتها وتجهيزاتها، فضلا عما يتعرض له التلاميذ من مضايقات وتهديدات وتحرش وسرقة...
ضعف التواصل مع أولياء الأمور، مما يتسبب في استفحال ظاهرة التغيبات لدى المتعلمين، مما يسهم في تعميق أزمة الهدر المدرسي.
ضعف البنيات التحتية بالمدرسة العمومية وقلة المعدات التكنولوجية والتقنية التي تيسر العملية التعليمية والتعلمية.
انتشار العنف بهذا الوسط المدرسي، وما يترتب عنه من انعكاسات سلبية وخيمة تعيق سير العملية التربوية، وتحقيق الأهداف التعليمية والتعلمية.
تفاقم ظاهرة الانقطاع عن الدراسة في صفوف التلاميذ بالعالم القروي، لاسيما الفتيات (بالسلك الابتدائي). ولعل من بين العوامل المساهمة في هذه الظاهرة العنف المدرسي، والتحرش، والمضايقات من قبل الأقران أو المدرسين...
وعلى الرغم من الاهتمام الذي أولته المدرسة المغربية العمومية للتربية على القيم وحقوق الإنسان والمواطنة، فقد استمرت السلوكات اللامدنية في الانتشار كالغش والعنف والإضرار بالبيئة وبالملك العام داخل المؤسسات التعليمية والتكوينية وفي محيطها.
وأمام ضعف جودة التعليم العمومي والإكراهات الكثيرة التي تعتري منظومة التربية والتكوين، أضحت الأسر المغربية مجبرة على البحث عن بدائل مناسبة للتعليم الحكومي، فوجدت ضالتها في التعليم الخاص، حيث "أفضى تراجع جودة المدرسة العمومية إلى ظهور تصور إيجابي للمدرسة الخصوصية والتحمس لها"، فزاد معه بحث هذه الأسر عن جو تربوي آمن، يساعد على التنشئة السوية والمتوازنة لأطفالها المتمدرسين، فوجدت في المدرسة الخصوصية "الوسيلة التي تضمن لأبنائها تربية ذات جودة، وأفضل من التربية التي يقدمها التعليم العمومي".
ومن الإيجابيات التي شجعت الأسر المغربية على التعليم الخصوصي نذكر:
انتشار الأمن في هذه المؤسسات، حيث تسهر على المراقبة المكثفة لسلامة المتعلمين، وضبط سلوكهم.
ضعف نسبة الهدر المدرسي، ومتابعة كل حالات الغياب واتخاذ الإجراءات المناسبة في حق المتغيبين.
توثيق العلاقة مع الأسر، باعتبارها المصدر الأقرب لمعرفة حياة المتعلمين خارج المؤسسة التعليمية، وأثرها على مواظبتهم وانخراطهم، وتحسيس الأسر بدورها في تكميل عمل المدرسة والارتقاء بالعلاقة التربوية داخلها، حيث تحرص هذه المؤسسات على التواصل الدوري مع أولياء الأمور، وعلى الإخبار بالمستجدات المتعلقة بالمتعلمين، ومواكبة سلوكهم، وتنظيم اللقاءات التواصلية معهم، في حين يكاد يغيب التواصل مع أولياء الأمور في المؤسسات العمومية إلا في الحالات الخطيرة.
حرص المؤسسات التعليمية الخاصة على تنظيم حصص دعم أسبوعية خارج الحصص الرسمية بعد إجراء اختبارات تقويمية لقياس مستوى تعلمات التلاميذ، أو بناء على آراء أساتذة المواد المدرسة، وتواصلهم مع أولياء أمور التلاميذ المتعثرين بخصوص ذلك، ويتلقون الدعم المناسب بشكل دوري على مدار السنة، مع إلزامهم بالحضور. في حين يجد الدعم المدرسي العمومي صعوبات جمة على مستوى التنزيل على أرض الواقع، فيتأرجح ما بين رفض كثير من المدرسين إنجازه إلا في فترات مخصوصة مثل الإعداد للامتحانات الجهوية أو الوطنية، وما بين لا مبالاة المتعلمين، وامتناعهم عن حضور حصصه.
التوفر على عدة بيداغوجية كافية للتدريس، وبنيات تربوية خاصة بجميع التخصصات، بمختلف الأطوار والأسلاك التعليمية والتكوينية.
جودة البنيات التحتية والتجهيزات المشجعة على التعليم والتعلم.
تمكين المتعلمين من إتقان اللغات الأجنبية في سن مبكرة، وتأهيلهم قصد التملك الوظيفي لهذه اللغات، ولاسيما في التخصصات العلمية والتقنية.
تعزيز إدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النهوض بجودة التعلمات وتحسين مردوديتها.
استجابة الزمن المدرسي بالتعليم الخصوصي لطبيعة الأسر المغربية الجديدة المرتبطة بالعمل والوظيفة.
وعلى الرغم من هذه الإمكانات، إلا أن التكلفة المادية المرتفعة للتعليم الخصوصي باستحضار التحولات الاقتصادية التي يشهدها العالم أجمع، فضلا عن صعوبة تعميمه على مختلف المناطق الجغرافية ببلادنا، لاسيما النائية منها، تجعل التعليم الخصوصي سببا رئيسا في تكريس الفوارق الاجتماعية وتوسيع الهوة بين الطبقات.
نخلص إلى أن تدني قيمة المدرسة العمومية سببه ارتفاع مشاكلها، وهو ما ترتب عنه الإقبال الشديد على المدرسة الخاصة، حيث تحولت إلى عنوان للتفوق وإن كانت كفة أرقام المتمدرسين ما زالت تميل إلى المدرسة العمومية.
ويظل الرهان قائما على محاولة ضمان التوازن بين التعليم العمومي والخصوصي في المغرب، بوصفه تحديًا متعدد الأبعاد، مما يستلزم رؤية شاملة، وتنسيقًا مستمرًا بين جميع المتدخلين. وذلك، بتعزيز التعليم العمومي عبر الاستثمار في البنية التحتية والموارد البشرية، وفي المقابل تنظيم التعليم الخاص لضمان جودته وشفافيته، بالإضافة إلى دعم الأسر لتقليص الفوارق الاجتماعية، وبذلك يمكننا بناء منظومة تعليمية ذات مناعة وتتمتع بالإجماع الوطني. ولعل المستقبل القريب يبشر بتفعيل هذه الإرادة بالنظر إلى قرار زيادة الإنفاق على الصحة والتعليم إلى 140 مليار درهم بزيادة 22.8% في ميزانية 2026.
أكاديمية، ناقد وباحثة مغربية