سديمٌ ملتفٌّ باللُّهاثِ
عائشة عمور
حبيبي، لا تقُلْ شيئاً،
لا تقلْ نحْنُ نُشْبِهُ السّماءَ،
أعلى قليلاً من السماءْ،
في المساءْ،
أرْوي للصّباحاتِ حُلْمَ الآخرين،
الّذين يَهْرُبُونَ كعصافيرَ ضالّةٍ في شَواطِئِ الأمْواجِ المَهْجورَة.
ينْظُرونَ إلى المُغتصِبِ في رَدْهاتِ أحْلامِهِم الدّافِئةِ الكَسْلى.
يتقافَزُون كالأسْماكِ، كالأحْصِنَةِ التي لا تَعْرِفُ معْنى السِّباقْ.
ينْظُرُونَ، ينْظرونَ... ينْتَظِرونَ، ينْتَظِرون السّديمَ المُلْتَفَّ باللّهاثِ والخَيالاتْ.
فليُكنْ هجاءَ الغُبار،
وليكنْ الرّيحَ التي تُعَرّي خِيامَ الحالِمين،
وليكن لُهاثَ الأرْضِ المَحْمولةِ على عُكّازْ،
وليكنْ الخَجَلَ السَّكْران بيْن النَّدامىَ في عُرْسٍ يسرقُهُ الفَجْرُ كإوزّةْ.
وليكن الزّبَدَ اللّاهِيَ في حَلَباتِ الماءِ الطّينيّ،
وليكنْ أنينَ أمٍّ تُنْشِد هديرَ اليأسْ،
وليكن كأساً شاخَ زُجاجُها،
ورَوَتْ سُلالةَ الشّفاه التي تجرّعت مَسكبَ اليأسْ،
وليكنْ كلامَ الأشْباحِ وسَرابَ الانتماءْ،
ولكنْ... ثمّةَ جُرْحٌ يعلو كهِنْدِباءْ.
نامَ الجميعُ وَكَتَبَ الشاعرُ ما تبقّى.
ما يبْقى يُؤسِّسُهُ الشّعراءُ فعْلاً.
نُشْبِه الآن تذكرتيْن لفيلمٍ غريبٍ يَحْضُرُه الغُرَباءْ،
نشبهُ ضجيجاً سيعْقُبُه الصّمْتْ،
أيُّ كلامٍ له مَعْنيان يفسّره القلْبُ كيْفَ يَشاءْ
نُشْبِهُ الخوْفَ ممّا سيُقبل من نَدَمٍ يتكرّرُ
حين نفكِّرُ كيْفَ أضَعْنا مِنَ الوَرْدِ أجْمَلهُ،
وَكَسَّرْنا الإناءْ.
نُشْبِهُ أيّ حَبيبيْن مَلَّا سَوْيًّا مِن الرَّكْضِ خَلْفَ البيوتِ التي تجْمَعُ الذّكرياتِ،
فَحَطَّا رِحالَ المَواعيدِ، وابْتَسَما مَرّةً للسماءْ.
شاعرة وناقدة من المغرب
عائشة عمّور روائية وشاعرة وناقدة أدبية مغربية،
نشرت ديوانها الأول "ترانيم لمدارج الروح" في 2017، وتوجت روايتها "حياة بالأبيض والأسود" بجائزة كتارا للرواية العربية، فئة الروايات غير المنشورة، لعام 2019، وفي مجال النقد لها بحوث في الخطاب الشعري والفن التشكيلي، وسبق لها التتويج في جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي.